مملكة كون كيان الأكوان

 

 بينما كان كبير الآلهة يقوم بتجواله للاطمئنان على الآلهة, فوجئ بإله الألم يجلس على شاطئ النهر عاطلاَ عن العمل وعلائم الخيبة و الإحباط مرتسمة على وجهه وكيانه .

 صاح به كبير الآلهة قائلا: هيه... ما بالك تجلس هكذا دون اكتراث ؟. و لمَ كل هذا الوجوم و الإحباط الذي يلفك ؟.

قال إله الألم : عذرك أيها الإله لقد جفت أقلامي ، وجفت دموع المعذبين ، أما الإحباط فقد لفني كوني شعرت بأنك قد أبدعتني كي أكون من زبانية الجحيم!. صمت إله الألم قليلاً ثم أردف قائلاً : أنا لا أعترض على قصاص المجرمين الآثمين لكن يا مولاي لشدة ما يحزنني و يحرق قلبي أولئك الذين ناجوك بدعائهم:اللهم أجرنا من بلوى عبادتنا لك  وقد سمعتك تقول لهم: إن المؤمنين هم أشد الناس بلوى.

 لقد أمرتني يا مولاي فسقت لهم البلوى و المصائب و المحن فاستقبلوها بحسن الرضا و التسليم لكن لشدة ما آلمني و أدمى قلبي عندما شاهدتهم في النهاية يبكون بلا دموع وشاهدت قلوبهم و أكبادهم تتمزق من شدة كتم الغيض . أما أولئك الصالحون الذين لم أراهم قط يبكون و لم أرَ تمزق قلوبهم و أكبادهم لشدة ما آلمني حالهم ، لقد غطت غشاوة على عيونهم و أكبادهم حتى أصبحوا صخوراً لا تؤثر فيها العواصف و لا الأحزان و غابوا عن وجودهم و لم يعودوا يعلمون أو يدركون غاية الصفع و العذاب . لقد أدمى قلبي منظرهم عندما كنت أعذبهم حينما خُدر إحساسهم و فقدوا رؤيتي . آه يا إلهي كم مقت نفسي حينذاك؟. كيف لي أن أجلد جثثاً ميته بعد أن فارقها الإحساس..

 بكى إله الألم بكاءً مريراً ثم سجد على أقدام المولى و قال : إلى هذا الحد يمكن أن يصل العذاب ، ألا يوجد حد يمكن أن يقف عنده العذاب...عذرك يا مولاي فأنا الآن أمقت نفسي لأني أتعذب أكثر مما أعذب , أرجوك يا مولاي أتوسل إليك هب لي الآن نعمة الموت لأنه الآن منجاة لي .

قال كبير الآلهة مبتسماً : في الغد تسقط القيود و تتجلى حقيقة كل معذب و ستشاهد و تتأكد من أن كل ما تشاهده لعبة عقل.

قال إله الألم : عذرك يا مولاي إن الجنة مهما عظمت فإن هذه الآلام الدامية تنغص عظمتها ، و لو تسنّى لي يا مولاي الصبر على هذه الآلام القاتلة مقابل الفوز بالجنة لرفضتها ، أرجوك يا مولاي هب لي الآن نعمة الموت ، فأنا أرضى به كأسمى نعمة أبدعتها و بالرغم من إيماني المطلق بعدلك ورحمتك لكن قلبي لا يستطيع تحمل الاستمرار في هذه الألعاب الدامية .

 قال كبير الآلهة : الوجود محكوم عليه بالواجب و لا خيار لأحد بعد  إقرار القدر . فكما أنه ليس للسماء حد فإنه أيضاً ليس للألم قعر , الآلهة وحدها  تجوب تخوم التكوين فتسعى إلى أقصى أقاصي حدود السماوات ثم تعود لتختبر أقصى أقاصي حدود قعر بحر الألم الذي ليس له حد . ومن يطمح للسمو إلى أعلى عليين عليه أن يجتاز أسفل السافلين . إن الرحمة ملحوظة في كل ركن من أركان الوجود ، لكن قانون الواجب لا يستثني أحداً.

 انظر إلى قانون الخلية الحية المحكوم عليها ألا توجد إلا بتحطيم و التهام الخلايا الحيّة الأخرى ، و هي لا تملك لصيرورتها إلا قانون بقاء الأقوى . إن الكفاح هو القانون الأعظم. والكفاح لا يكون إلا في وجه الظلم , والظلم هو أن توجد دون كارما أي دون جد وعمل , أما الجد والعمل ما لم يقرنا بالألم والتضحية فسيبقيان هزيلين لا يمكنان النفس من الارتقاء واستقصاء أقصى أقاصي حدود التكوين , ودون هذا الاستقصاء سيظل الوجود كنزاً مخفياً و ستبقى قوى الإبداع عاطلة عن العمل . لهذا فإنه من الواجب علينا أن نخضع لقانون واجب الوجود و نتزود من الألم كي نستقصي أقصى أقاصي حدود الإبداع . إن شجرة الألم تنبت من جذر التعلق . والتعلق هو قيد النفوس الذي يعيقها عن الجريان عبر قوانين الروح بهدف سبر أغوار التكوين. إن اللا تعلق هو المطلب الوحيد و الأساسي للحد من الألم و الحرمان .

قال إله الألم : لقد اختبرت يا مولاي حال اللا متعلق فبدت لي الدنيا دون طعم و لا نكهة , وبدا لي النصر و الهزيمة سيان و أيضاً الحياة والموت سيان , فكيف يستطيع الإنسان أن يستمر في حال اللا متعلق .

قال كبير الآلهة : إن المفارقة هو قانون الارتقاء الأعظم ,إن النفس تفارق فعلها و لا تفارق ذاتها أما العقل فهو يفارق ذاته و فعله لأنه جوهر الكون . إن حال المفارقة هو كحال الولادة إنها مفارقة أمّنا الطبيعة والاستقلال عنها عبر تكوين كياننا الكوني . إن معرفة قوانين كون كيان الأكوان تجعلنا نرضى بقانون المفارقة و نستسلم لحال اللا متعلق . إن النفس التي اختارت قدرها كي تكون في أعلى عليين عليها أن تخضع لقوانين تلك العوالم , إن جهلنا لتلك القوانين يدفعنا للحزن و الإحباط و لعن القدر.

سجد إله الألم تحت أقدام المولى و مسح دموعه و مضى إلى عمله مستسلماً للقدر الذي لا يستطيع الفكر أن يلج إلى حدود حكمته.

 

.

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email : barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل