مملكة الشيطان
الجزء 2
قال المارد : ماذا تقول إذا علمت أني الشيطان بعينه ؟
قال الملك : استغفرك مولاي بل الشيطان ملعون رجيم .
غضب المارد وصرخ بصوت مزلزل فراح القصر يدور بالملك وصراخ الجن والعفاريت تصم الآذان وتفزع العقول وراحت الوحوش والأشباح تحوم حوله .
سقط الملك على الأرض مغشياً عليه... وبعد زمن قصير أيقظ المارد الملك وهو يتمتم بكلام غير مفهوم .
وعندما استعاد الملك وعيه ارتمى على قدمي المارد وراح يقبلها ثم قال : مولاي إنك أقوى مني فلا تذلني.
قال المارد: الآن هل عرفتني من أكون أنا الآن؟.
قال الملك : نعم يا سيدي إني أعرفك الآن .
قال المارد : انطق باسمي , وقل أنا ربك .
قال الملك : أنت ربي أيها ... واختنق صوت الملك.
قال المارد: انطق ما أمليته عليك وإلا قتلتك .
قال الملك : أنت إلهي أيها الشيطان .
قال المارد: أما عرفت أن القدرة والعظمة لله فكيف تعبد الشيطان ؟.
احتقن وجه الملك بالدم وراح قلبه يدق بسرعة ودارت الأرض به فارتمى على كرسي الملك . ثم ابتهل لله قائلاً: اللهم أجرني من ساعة غفلتي هذه .
صاح المارد : قوِّ قلبك أيها الجبان الرعديد, واعلم ألا أحد يستطيع أن يقتل أي إنسان كان من كان دون أمري . إني أنا الذي أقتل، وأنا الذي أفني، وأنا الذي أبيد, وأنتم جميعاً في قبضتي تعملون بأمري , وإني أنا إلهكم !. تارة أبدو ملاكاً وأخرى شيطان!. أتظن أنه يمكن أن تقع أي مصيبة على الأرض دون إرادة المبدع الأحد؟. إلى متى أيها الأحمق ستظل تعتقد أن الله شيء والشيطان شيء آخر!!.
ثم أضاف الشيطان قائلاً: اعلم أيها الغرّ أنه لا يوجد في هذا الوجود سوى الله وهو الأحد وعلّة العلل ولا أحد سواه . واعلم أن الوجود هو انعكاس لتجلي الإله وإنه صورة له وإن ما من شيء في الوجود إلا هو, وإن الوجود يعكس لنا مبادئه وصوره ونسبه , فعلامَ هذا الخوف وأنت لا تستطيع أن تخرج من قبضته أو تحيد عن إرادته؟!
وأضاف الشيطان قائلاً: إن الوجود يقوم على عملية البناء والهدم فإذا خرج المعدوم من عملية الهدم صار منافساً لعلة العلل . لهذا اقتضت الحكمة أن آتي للهدم , وهذا الهدم لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة مقتضاه . لهذا يسمون عملية الهدم بالشر ويسمونني بالشيطان , فلولاي أيها الملك لأصبحت ديدان الأرض آلهة السماء ! .
لهذا تجليت لك كي أخبرك أنه لا ضير عليك فيما تفعل . اقتل من شئت، واحرق ما تريد، ودمر ما استطعت ، فلا بد لك من أن تحكم العالم . أنصحك بتدمير الأديان لأنها منابر حقد,وأنصحك أيضاً أن تجوع الإنسان لأن الجوع يطهر النفس وأنصحك بتدمير جميع المعارف كي تدفع الإنسان للبحث عن الحقيقة . احرم الإنسان الراحة والطمأنينة فقد اختارك القدر لذلك .
ثم اختفى المارد بعد أن خلف الملك مشدوهاً حيران لا يعرف صحة ما شاهد .
تأثر الملك بالغ الأثر فيما شاهد وفيما استمع إليه وعلم أن معرفته وخبرته دون ذلك بكثير, لهذا طاف بنفسه بين الزهاد والحكماء باحثاً عن تحليل وتفسير لما شاهد وسمع . وقاده القدر إلى أن وصل إلى أحد الزهاد العظام فقص عليه حكايته ورجاه أن يفسر له الحقيقة .
صمت الناسك طويلاً وغرق في تأملاته ثم قطب حاجبيه واحتقن الدم في وجهه وهزته رجفة عظيمة !.
اهتز كيان الملك من تبدلات هيئة الناسك وراح ينتظر إجابته بكل خوف . لكن الناسك نظر إلى الملك بحاجبيه المقطبين وطلب منه الانصراف والعودة إليه بعد زمن حتى يتمكن من الحصول على الإجابة .
انصرف الملك بخوف شديد ورجلاه تقصفان بينما غرق الناسك في تأملاته العميقة ، وبدأ العرق يتصبب من جبينه وفجأةً ظهرت له فكرة مجنونة هي أن يتكلم مع الشيطان بذاته .
وما أن أقر الفكرة حتى ظهر له الشيطان في التو واللحظة !.
دهش الناسك من سرعة حضور الشيطان وحاول تمالك نفسه ثم سأله قائلاً : ألم ترفض السجود لآدم بعد أن طلب الله منك ذلك؟.
أجاب الشيطان : ألم يقل الله : وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه . فكيف تطلب مني السجود لآدم؟.
قال الناسك : لكن الله هو الذي أمر .
قال الشيطان : ألم تسمع بأن الله خير الماكرين !. كيف تريدني أن أسجد لسواه وأنا أعرف أن الوجود ما هو إلا امتحان . وأن الله يمتحنني في أن اسجد لمخلوق غير الله .
قال الناسك : وما يضيرك فيما لو سجدت لآدم ؟.
قال الشيطان : إلى متى أيها الناسك الطيب ستظل تشخص النواميس . ألا تريد أيها الطيب أن تخلّص ذهنك من الصورية وأن تدخل إلى فسيح جنان المعنويّة .
ثم أضاف الشيطان قائلاً : أنا أيها الناسك أحد نواميس هذا الكون . فبدوني لن تكون لذّة جسدية أو معنوية . اعلم أيها الناسك حين تلتذّ جنسياً يكون فعلي الناموسي هو مصدر هذه اللذّة , وحين تشعر بالسعادة عندما تجد الناس تنحني أمامك وتقبّل لك الأرض يكون أيضاً فعلي الناموسي هو مصدر هذه السعادة .
واعلم أيها الناسك لولا شعورك بأناك لما اتجّهت إلى فعلك في الحياة . فحين تفعل أكون أنا مفعول فعلك . فإذا سجدت لك أصبحت أنت إله وإذا سجدت لسلالة الطين أصبح كل فرد إله له أناه الخاصة والمتميزة . بهذا تتعدد الآلهة ويتهدم ناموس الكون .
إذاً كيف تطلب مني أن اسجد لآدم بعد أن ثبت لي أنه امتحان؟.
قال الناسك : ما أدهاك أيها الشيطان أتؤمن بالله وأنت مصدر وسبب كل رذيلة.
قال الشيطان : ماذا أفعل لك أيها المكافح كي أخلص ذهنك من الصورية وأدخلك إلى فسيح جنان المعنويّة . في الحقيقة أيها الناسك أنك قرأت الحكمة وأقرّيت بالعجز عن فهم المطلق . وهاأنا ذا أسر لك بأعظم أسرار حكمتك. ولا أطلب منك أن تشكرني أو تعبدني ، بل أسر لك هذه الأسرار كي لا تعبدني وأنت تلعنني !!.
إن غاية الفعل الكوني هو إظهار آيات جمال الكمال الإلهي وهذا الكمال يمرّ عبر أطوار وهذه الأطوار تتم عبر انبثاق طور من آخر. وهذا الانبثاق يقتضي دائماً الصراع والهدم . ولا تظن أنك في تنسكك هذا وبعدك عن مضمار الصراع والهدم تنجو منه, واعلم أنك تؤجل صراع اليوم إلى الغد , حتى إذا وصلت إلى قناعة أن الألم واللذة سيان ثم قدّمت الآلام على اللذة وقمت بتقديم الآنا كقربان للحقيقة وقمت بعملك بمقتضى الواجب ودون انتظار نتيجة , عندها تمحى أناك وتتخلّص من فعلي الناموسي , وتحقق أية (حتى محتك فأحيتك , فعلام هذا الوجد وأنت الوهم وأنت ما ترى وما لا ترى ظلال ظل هذه الصورة والحق هو المصوّر وهو ممسك هذه الصورة).
استمع الناسك بإصغاء ثم سأل : هل تطلب منّي مغادرة صومعتي وأن أنزل إلى معترك الحياة؟.
أجاب الشيطان : درب الحقيقة في كل مكان . فإذا كان دخولك الصومعة مفراً لك من الحياة , فصومعتك قبرك . وإذا كان اختلاء في النفس من أجل إعادة توازنها فأنت حكيم جاد . لكن لا مفر لك من العمل ، والعمل المقصود هو أن تعمل وأنت تلهو .
ألا ترى ناموس الكون كيف يبني الطبيعة ويبدع مخلوقات وديعة وجميلة ، ثم يأتي بالكوارث ويدك الطبيعة بأسرها . فماذا يبقى إذاً من ثمار فعل الطبيعة سوى اختبار أفعال الكينونة التي تجلّت بها النسب والصفات الإلهية .
وتستمر لعبة الإبداع والفساد حتى يصل الكون إلى يوم الحاقّة الذي لا ريب فيه ؟.تهتك فيه أستار الحجب ويسمو الروح الأمين , وتمتد الرقائق بالخلائق من الخلائق . يوم يتجلّى الشاهد المشهود وتأتي كل نفس معها سائق وشهيد .
قال الناسك : ماذا سيحل يومئذ بقومك ؟.
قال الشيطان : سيعلمون أن مقامهم الحق في الدرك الأسفل ويذوقون بأس بعضهم البعض . ويندمون يوم لا ينفع الندم.
قال الناسك : وماذا تقول لهم إن سألوك عمّا فعلته بهم .
قال الشيطان: سأقول لهم:(( لقد لحقتكم فاتبعتكم بشهب فاستعبدتكم واتخذتكم سخرية ً, وأوردتكم المهالك ببيت مالك , وتبرأت ثمة منكم . إني أخاف مولاي ومولاكم , وما أنا بمصرخكم بعد أن سربلت لكم الأقاويل المزورة , واعدت لكم المقاليد فنصبت لصيد عقولكم وشهواتكم ولما زينته لكم أحلامكم حبائل الجهالة وأسباب الخداع فأين الانفكاك وأنّى يستطاع .))
قال الناسك : هل تحلم بالجنّة؟.
قال الشيطان : بكل تأكيد لقد عرفت أسرار( كن ).
قال الناسك : وما قصه بعل حمالة الحطب؟.
أجاب الشيطان باستياء : لا تذكرني .
ذكّر الناسك الشيطان قائلاً:.........
وضع الشيطان يديه على أذنيه وصرخ : كفى كفى ثم اختفى .
صلّى الناسك بحرارة قائلاً : اللهم أنت الشاهد والمشهود . أنت المكوِّن والمكوَّن وأنت خير الماكرين . فلا توكلني إلى نفسي ولا تحلني إلى حولي وقوّتي ليكفلاني في مرآة نفسي أمام لوح الذات . ولا تنزلني في جبال التيه كما أنزلت رموز التيه ولا تطعمني من شجرة المعصية كي لا تجعلني محدوداً ولا تنزلني في ظلمة نفسي كي لا تجعلني معدوماً ولا تجعلني أتطلع إلى جبل ذاتي كي لا تجعلني حجراً جلموداً.
البقية في الإصدار القادم
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email : barakat@sunoftruth.com