مملكة الشيطان

جزء 3

عاد الملك إلى صومعة الناسك فوجده غارقاً في أفكاره وتأملاته. شاهد الناسك الملك فانفض من مكانه قائلاً: أنت ما اخترت أيها الملك وليس على المكوَّن أن يتعدى حدود المكوِّن. فلا تسألني النصح لأني بدأت أدرك معنى إنَّ كل ما اعرفه هو أني لا أعرف شيء!ً.

خرج الناسك من صومعته متّكئاً على عصاه مردداً كل ما اعرفه هو  أنّي لا اعرف شيئا .

جلس الملك مكان الناسك محبطاً وراح يتأمل في حاله وحال ملكه وناجى المولى قائلاً: اللهم لا حول ولا قوّة إلا بك فهب لي الخلاص من هذه الحيرة.

وما أن أنهى الملك رجاه حتى هز الصومعة زلزال عنيف وعاد إليه الشيطان من جديد.

صعق قلب الملك وتجمد في مكانه لكن الشيطان صاح به ما بال قلبك قد توقف أيها الجبان الرعديد أتظن أني سأدفعك لأمر أنت لا تحبه... ثم طمأن الشيطان الملك قائلاً: لا تخف فإني لن أطلب منك أن تفعل سوى ما اخترت أنت  فعله في حياتك وتقلباتك السابقة.

سأل الملك وهل كان لي خيارات وحيوات سابقة؟.

انزعج الشيطان وقال : تباً لك أيها الغرّ أتظن أن الله يلعب بالنرد؟. أتظن أن الله يفتري على خلقه فيخلق أشراراً دون أسباب؟. قم إلى مجدك أيها الحقير لقد اخترت هذا المجد منذ أجيالك الأولى، وقد سجل مجدك في لوح الغيب ولا يجرؤ أحد أن يبدل هذا القدر. اعلم أيها الملك أنه قريباً سينحني لك العالم إكباراً وإجلالاً. وقريباً سيطأ حذاؤك العسكري أرجاء الأرض وقريباً ستستمع إلى أفواه سكان الأرض تسبح باسمك.

قال الملك : لا تعظم امتحاني عليّ يا سيدي فإني اضعف من هذا الامتحان, فأنا يا سيدي لا أملك إلا القوة العسكريّة والجميع يعلم أن زمن احتلال القوة قد ولّى وذهب فكيف تطلب مني يا مولاي أن أجرّب أمراً مستحيلاً؟.

قال الشيطان : إن جميع من حاولوا استعمال القوة قد فشلوا لأنهم حاولوا ذلك قبل الأوان, أما الآن فقد آن آوان استعمال القوّة.

قال الملك : يا سيدي إن آلتي العسكريّة هي الأقوى في العالم, لكن قوّة إلة العالم  العسكريّة  أقوى من آلتي, فكيف أستطيع تحطيمها والانتصار عليها؟.

قال الشيطان ساخرا ً: بهذا العقل الذي تفكّر به الآن لن تستطيع حكم وكر فأر!. فأين الحيلة وأين المكر؟.

قال الملك: يا سيدي لقد علمتني كتب التاريخ أن للطموح حدود, فمن تجاوز هذه الحدود داسه التاريخ ورماه في قمامته.

انزعج الشيطان وقال ثائرا ً: هراء هذا هراء فأي تاريخ تقصده؟! وأي تاريخ تعنيه؟! ثم أردف الشيطان قائلاً: التاريخ ليس سوى كذبه اخترعها عبيد السلطة فصدقها الأغبياء.

ثم أضاف عليك أن تعلم أيها الملك أن التاريخ قد كتبه عبيد السلطة فاخترعوا الأكاذيب وزوّروا الحقائق فصنعوا من الأنذال أبطالاً ومن الأبطال أنذالاً. فلو تسنّى لك أيها الملك أن تطّلع على أكناه التاريخ الحقيقي لوجدته بحيرة أسماك أو شريعة غاب يأكل فيه الكبير الصغير, وينهش القوي لحم الضعيف. دول تبتلع بعضها البعض. حكام تنهش لحم بعضها البعض. أما الأبنية والرسوم والعلوم التي يحاول الملوك أن يتزينوا بها ويدّعوا أنها الحضارة فما هي بالحقيقة سوى رتوش وألوان خادعة تظهرها الحقيقة عندما توضع مصالح الحكام على المحكّ وتتعرض للخطر, عندها تظهر حقيقة طباع هؤلاء الملوك فتخلع عنها ثياب الأنس والتحضّر وتكشف عن أنيابها ومخالبها وتنهش لحم خصومها بشراسة ووحشيّة.

وكما تملأ الغابات بالكلاب والغربان وبنات آوى. تملأ أيضاً قصور الحكام بهذه الكلاب والغربان. وتقوم بملئ قلب الحاكم بالأحقاد والأكاذيب فتفتري على الحق وتزيّن أخطاء الملك فيهب الملك لاعتلاء عرش الكون ليحمل عرشه الكلاب والغربان عندها يصبح لكتابة التاريخ ثلاثة أهداف الثروة والسلطة والمرأة.

ثم سأل الشيطان الملك : وأي تاريخ حقير سافل له هذه الأهداف، تريد أن تتعظ منه أيها الحكيم الجاهل.

ثم أضاف الشيطان قائلاً : اعلم أيها الملك أنه لا بد لك من  الاعتماد على السياسة, فلولا السياسة لما كانت الأمم ولولا السياسة لما نشأت الأديان. واعلم إن قوة السياسة من قوة الاقتصاد, وإن القوة العسكريّة هي التي تحمي الاقتصاد والسياسة,  فإذا توفرت لك هذه القوى الثلاث أصبح العالم رهن إشارتك.

قال الملك : حسناً تقول يا سيدي فإذا اعتمدت على توجيهاتك في السياسة واعتمدت على نفسي في قيادة الآلة العسكريّة, لكن كيف أبني قوّتي  الاقتصادية ومعاملي لا تنتج سوى السلاح؟.

 انزعج الشيطان من سطحيّة تفكير الملك وصاح: ألا تعلم أيها الغبي أن الاقتصاد في العالم يقوم على الطاقة والمواد الأولية والأسواق الدولية, ولكي يتسنى لك السيطرة على العالم ما عليك إلا السيطرة عليها عسكريّا .

قال الملك : أرجوك لا تغضب مني يا سيدي فأنت تدفعني لاحتلال العالم عسكريّاً وقد قلنا إن هذا الأسلوب لم يعد الآن مجدياً فكيف أستطيع فهمك يا سيدي؟.

قال الشيطان : اعتمد على السياسة. قسّم العالم إلى كتل متناقضة ومتصارعة, واحرص على بناء كل كتلة من هذه الكتل لقواعدها العسكريّة, وقم بتجارة السلاح وبيعه لها كي تنهب فائضها التجاري واحرص أيضاً على ألاّ تتفوق القدرة العسكريّة لكل كتلة منفردة على قدرتك العسكريّة.

ثم أمسك أنت بميزان التوازن العسكري بين هذه الكتل وعليك دائماً بفتح جرح بين هذه الكتل واعمل على تخفيف حدته إذا احتدّ, وإشعاله إذ انطفأ. دع هذه الكتل تهرع إليك بهدف توازن القوة، عندها يمكنك استغلال منابع الطاقة والاستيلاء على الأسواق وعلى المواد الأوليّة في العالم عن طريق الاتجار بالمصالح القوميّة والإقليمية والدينية, في هذه الحالة ستشاهد أيها الملك إن كل ما في هذا الوجود قد تحول إلى سلعة بما فيها الديانة والتراث وكرامة الإنسان وستجد البشرية تنحني أمامك وتقبّل لك حذاؤك!!.

قال الملك: هل تمنّ عليّ يا سيدي ببعض التفاصيل. كيف أستطيع تقسيم العالم إلى كتل، وما هو الميزان الذي أعتمده في إجراء هذا التقسيم؟.

قال الشيطان : يمكنك تقسيم العالم إلى تكتلات دينية متنافسة ومتصارعة واعتمد دائماً على الفتنه من أجل إذكاء روح الحقد بين الأديان والطوائف وابحث دائماً عن اولائك المستعدين دائماً إلى بيع مصالحهم الدينية والوطنية مقابل تحقيق مكاسبهم الفردية.

وعندما تجد أمماً قويّة اقتصادياً فاسع إلى تقسيمها إلى كتل اقتصادية متنافسة وأدخل في جميع هذه الكتل واعمل دائماً على زعزعة اقتصاد كل كتلة وهدد دائماً الاستقرار النقدي.

أما الأمم التي تمتلك مواد أولية ومنابع طاقة وفائض مالي فاخلق لها صراعات دينية أو قومية أو عرقية وادفعها كي تلجأ إليك بهدف حماية وجودها, عندها تستطيع ابتزازها وسلب كل ما لديها.

قال الملك: جميع ما تفضلت به جميل وممتع لكن في العالم الكثير من الدول الأصولية فكيف أستطيع أن أفرض هيمنتي عليها؟.

قال الشيطان: بالمال… قدم لها المساعدات.

قال الملك : كيف أقدم لها المال وخزائني منهكة من الإنفاق العسكري؟.

قال الشيطان : ادفع لها هبات ومساعدات لقاء بعض التنازلات, ثم عيّن بموجب هذه التنازلات بعض اللصوص والمرتزقة في حكومات هذه الدول لتعمل على نهب أضعاف هذه المبالغ التي قدمتها وتعيدها إليك!!.

قال الملك : عندها ستقع هذه الدول في العجز وتصبح غير قادرة على سداد ديونها وتتوقف التنمية ، وتقع المجاعات وسأجد نفسي مضطراً إلى إطعام مليارات الجائعين، وهذا أمر مهلك بالنسبة لي.

قال الشيطان : هل أنت أحمق أم أنك تعتمد الحماقة أمامي؟. إن الأرض أغنى مما تتصور ولن تقع المجاعة.

قال الملك: لكن المجاعة واقعة فعلاً.!.

قال الشيطان : إن علاج المجاعات أبسط مما تتصوّر.

قال الملك : أرجوك أشر عليّ بسرعة.

قال الشيطان : ألا تعلم أن نصف ما تنفقه أنت على الكلاب والقطط تكفي لسد جوع مئات الملايين من جياع الأرض. ألا تعلم أن ما ترميه من فضلات طعام موائدك في القمامة يكفي لإطعام ضعف جياع العالم.

قال الملك : عجباً هل أمري مكشوف لهذا الحد؟.

قال الشيطان : أجل أيها الغرّ ولولا حراستي لك لانتهى أمرك.

قال الملك : ماذا تنصحني الآن؟.

قال الشيطان : تمسك بالقانون وتحكم بزمامه…دافع عن العدالة بكل قوّة.

قال الملك : أرجوك يا سيدي لا تصعّب عليّ الامتحان, كيف تريدني أن أبطش بالعالم وأدافع عن العدالة بنفس الوقت؟.

قال الشيطان : بالسياسة يا أحمق, كل ما عليك هو أن تعتمد المبدأ الذي يحمي المجرم ولا يعاقب إلا من يترك دليل الجريمة. هنا ستتطور فنون الجريمة وعلم إخفاء الأدلة فيبتلع المجرم القوي الضعيف وتتطور الجريمة إلى أن تصبح جريمة دوليّة منظمة يحميها قانون دولي يعتمد على آلتك العسكريّة لتحقيقه, عندئذ تستطيع نهب العالم وسلبه باسم القانون الدولي ويصبح همّك هو قمع الجريمة التي تعارض رغبتك الشيطانية.

قال الملك : إنك تتناسى يا سيدي وجود حكماء وعقلاء يستطيعون إدراك أبعاد لعبتنا هذه وسيعملون على إحباط مخططنا .

قال الشيطان : لهذا فإنك لن تستطيع أن تحلق في مجدك هذا إلا بجناحين, جناح الحاكم العميل وجناح التربية الفاسدة. وأنا أنصحك أن تتدخل في جميع دول العالم وأن تعيّن بنفسك الحاكم.

قال الملك : ما المواصفات التي يجب أن توفرها  في هذا الحاكم؟.

قال الشيطان : عليك بالكذّاب...ثم الكذّاب...ثم الكذّاب. فالكذب نعمة لو عرفت قيمتها لاستغنيت عما سواها...فالكذّاب يكذب على نفسه لهذا  سهل عليه أن يبيعك أي شيء حتى أرضه وعرضه وشرفه. والكذّاب جبان لا يقوى على مواجهتك وتراه دائماً يلعق لك حذاءك. والكذّاب لا شرف لديه  لهذا يعطيك أيّ شيء ترغبه أو لا ترغبه. والكذّاب لا أمانة له لهذا يبيعك جميع مواثيقه وعهوده وتحالفاته. والكذّاب كالكلب تستطيع  تسلطه على مناوئيك في أي وقت لينهش لحمهم، ويصفّيهم فكريّاً وجسديّاً.

قال الملك : وقانون حقوق الإنسان؟!.

قال الشيطان : شعار مزيّف تستطيع استخدامه لضرب المتمردين عليك ولتأمين الذريعة المناسبة للتدخل في الدول المناوءة لك.

قال الملك : لكنك يا سيدي تؤكد دائماً على الديمقراطية.

قال الشيطان : دعك من هذا الهراء فالديمقراطية أيضاً شعار مزيّف تستطيع  المنادات به من أجل أن تصل أنت وعملاؤك إلى السلطة.

ثم أضاف الشيطان قائلاً: اعلم أيها الملك أنه لا ديمقراطية دون إنسان ديمقراطي ودون تكافؤ فرص بين الأحزاب وبما أن المنطق قد ربط بين الديمقراطية والحريّة لهذا عليك السيطرة على الحريّة فتستطيع أن تسيطر على الديمقراطية.

قال الملك : هل تريد مني أن اعتمد القمع دائماً من أجل تسييس الشعوب؟.

قال الشيطان : ليس دائماً ما زال لديك جناح التربية الفاسدة فإنه يغنيك عن أداة القمع.

قال الملك : أرجوك تكرّم عليّ وقلّ لي كيف أفسد التربية.

قال الشيطان : للتربية علاقة وطيدة بالاقتصاد والإعلام فهما يدفعان النفس للحياة عبر تحقيق الممكنات بهدف تحقيق الذات.

دع الإعلام عبر الدعاية ينمي نهم الاستهلاك عند الإنسان. اربط دائماً بين الجنس واللذة. دع الإنسان لا يرى سوى الطعام والجنس والشراب الوسيلة الوحيدة لللذّة. دع الإنسان يصاب بهوس البحث عن اللذّة ومن جهة ثانية اخلق له الفقر والعجز عن طريق التضخم الاقتصادي ونهب موارده الطبيعية عندها يقع الإنسان بين ناري الفقر من جهة ورغبة العصرنة من جهة أخرى وهكذا تنهار التربية وتتهدم الأسرة خاصة عندما تربط بين التحضر البشري والحريّة الجنسية. هنا يتحطّم الإنسان وجدانياً وأخلاقياً وإنسانياً ولن يستطيع الاستفادة من الحريّة التي تمنحه إياها ويصبح أداة طيّعة بين يديك , وعبر وسائلك الإعلامية تستطيع توجيهه إلى حتفه بكل يسر وسهوله.

سأل الملك : كيف أستطيع الاحتيال على الانتخابات الديمقراطية؟

قال الشيطان : يمكنك تقسيم العالم إلى قسمين هما: الدول الغنية والدول الفقيرة. ففي الدول الغنية اعتمد على بث عملائك وزبانيتك بين البشر لتشكل أحزاباً وتكتلات في الظاهر متصارعة ومتنافسة وفي الحقيقة متفقة على تنفيذ سياستك. دع الناس تنتخب من تشاء فالكل عائد إليك.

سأل الملك : ألا يوجد أحزاب في الدول الغنية تنادي بفضح أسلوبنا وسياستنا؟

قال الشيطان : الإنسان الغني لا يفكر بحقوق الإنسان الفقير. دع إنسان الدول الغنية يفكر باللذّة والاستهلاك واعتمد على إعلامك في تشويه صورة وحقيقة الإنسان الفقير. هنا تستطيع أن تخلق نقمة بين الإنسان الفقير والإنسان الغني يمكنك استثمارها من أجل تحقيق مآربك.

ثم تابع الشيطان قائلاً : في الدول الفقيرة تكمن صعوبة الاحتيال على القانون لأن الفقر سيدفع الناس إلى المنافسة على سدة الحكم هنا تبرز الحاجة الملحّة لوجود حاكم دكتاتوري عميل يستطيع نهش لحم الفقراء من جهة ومن جهة ثانية يستطيع تسييس الدولة عبر حزب وحيد. وتكون مهام هذا الحزب السيطرة على مؤسسات الدولة وضرب المؤسسات الخاصة كي تصبح لقمة عيش البشر بين  يدي هذا الحزب الذي يختار رجالاته من اللصوص والمرتزقة.

قال الملك : هنا ستقاطع الناس الانتخابات وسيسقط الستار عن وجه هذه الديمقراطية المزيفة.

قال الشيطان : لقد تناسيت أيها الملك الغر أن هذا النظام هو الذي يتحكم في لقمة عيش الناس. هنا سيجد الإنسان نفسه مضطراً إلى المشاركة في الانتخابات رغماً عن أنفه.

قال الملك : هذا إذا استطاع الحاكم تدمير القطاع الخاص لكن في الدول التي تعتمد على القطّاع الخاص يصعب تدميره بسهولة. هنا ستنشأ أحزاب وتكتلات معارضة للحاكم.

قال الشيطان: إن أي تكتل ستظل غايته الوصول إلى السلطة عندها يستطيع الحاكم استثمار المصالح الخاصة ليفوز في أي انتخاب, وتأكد أنه بهذا الأسلوب ستتوارى الديمقراطية الحقيقية إلى الأبد.

قال الملك : ما الأهداف التي يجب على النظام أن ينادي بها؟

قال الشيطان : في البداية ينادي النظام بأي مبدأ يمكنه أن يلهب مشاعر الإنسان ويمنحه الأمل. وفي النهاية يدوس الحزب والحاكم هذه الآمال والمشاعر ويسفر عن وجهه الدكتاتوري. فالدكتاتورية وحدها القادرة على ضمان استقرار الدول من جهة ومن جهة ثانية تخلق لك أسباب التدخل في الدول التي تتمرد على مصالحك.

 قهقه الملك بصوت عالٍ ثم سجد تحت أقدام الشيطان وقال: ما أعظمك يا سيدي وأقسم أن أكرس نفسي في خدمة طموحاتك.

قهقه الشيطان بصوت أعلى وقال : عندما يتسنى لكَ أن تفعل ما أشرته عليك, وتتسنم أعالي مجد الدنيا تكون قد خلصتني من قميصي الرث في هذا الدور، وقهقه من جديد قهقهةً اهتزت لها الأرض ثم اختفى!.

 تأمل الملك فيما حدث ثم قال : طالما أن هذا هو قدري فسأسير حيث أراد القدر.

عاد الملك إلى قصره وراح يبني مملكة الشر, وكانت توجيهات الشيطان نصاً مقدساً سهل التنفيذ حيث كانت قيادة العالم سهلة جداً, واندفع العالم بكل طيش ورعونة ووقع في أفخاخ واشراك العالم الحضاري الجديد.

ثم تكاثرت مملكة الشر وأصبحت ممالك متنافسة ومتصارعة حاولت كل مملكة ابتلاع الأخرى. وانقسمت الأديان واعتدت كل طائفة على الأخرى. وانتشرت الأفكار القومية المتعصبة والأفكار العنصرية وظهرت التكتلات الاقتصادية والقوّة العسكرية الغاضبة.

وشاع الفساد في كل جانب وانتشرت الإباحيّة وتنظمت الجريمة وتهدمت القيم الأخلاقية وصار الإنسان مسخاً شيطانياً يقتات على الفضيلة.

أما المخلوقات الإنسانية الشريفة فقد فشلت في مقاومة الظلم والاستبداد وهربت من البطش و القهر ولاذت بالفرار أمام آلة وعزم قوة الشر، ودخلت إلى قواقعها كما تدخل السلحفاة نفسها في قوقعتها عندما يهددها خطر داهم.

 

توهمت قوة الشر أن الكون برمته قد خضع تحت أقدامها.

وتوهمت أن الله بذاته لن يستطيع استعادت ملكه من بين مخالبها.

لقد امتلكت قوة الشر القنابل النوويّة. وسيطرت على الهندسة الوراثية وظنت أنها قادرة على خلق كائن بشري جديد قادر على تحطيم الله ونسفه بقنابلها الذريّة.

لقد أصبح كل شيء تحت سيطرت الأزرار والكمبيوتر وهي بكل بساطة تستطيع بكبسة زر أن تزيل من الوجود أمماً أو قارات بأكملها, وتستطيع أيضاً بالمال والاقتصاد أن تجوّع أعرق الحضارات وتصيّرها كلاباً جائعة وضالّة، وتستطيع عبر عصاها السحريّة العسكريّة أن تحول أعظم الأبطال إلى صراصير تلعن ساعة ولادتها. وتستطيع عبر الإعلام والمخدرات والبغايا أن تحوّل أتقى الشعوب وأعرقها قيماً وأخلاقاً إلى كائنات سافلة منحطّة تهتك بها الرذيلة من كل جانب فأين الإله من قوّتها وجبروتها.

لكن المكر الإلهي كان بالمرصاد : فالعنف لا يولّد سوى العنف. والظلم لا يولّد سوى الظلم. والحقد لا يولّد سوى الحقد. لقد وحد الظلم العالم وجعله يحقد على قوة وحيد القرن. لكن وحيد الشؤم هذا لم يكترث بهذا الحقد وقد سمعه البعض يقول إن العالم يتعاطف مع الضعيف لكنه يقف حتماً مع القويّ فما دام المال والاقتصاد والجيش والإعلام وقوّة التجسس في يدي فإن كل صوت ضدي ما هو إلا نباح كلب على القمر. فالحقد الذي يكنه العالم لي لا يقل عن الحقد الذي يكنّه العالم لنفسه.

 

كان الحكماء المتألهون ينظرون إلى هذا الكوكب الأسود المظلم ويتألمون لهذا الشر والبغي وقد تقطّعت قلوبهم آلاف المرات. وذات مرة , صرخ أحد الحكماء بصوت عالٍ وقد كاد أن يفقد عقله: مولاي أكاد  أجنّ ولا يستطيع عقلي تحمل كل هذا البؤس.

 

أجابه المولى قائلاً : أرى أن قلبك قد تقطع على من لا يستحق الرحمة!.

قال الحكيم : أرجوك قل لي كيف أستطيع  الاستمرار في الوجود؟ وكيف أستطيع أن أبرئ نفسي من مسؤوليّة وهول ما يحدث؟.

قال المولى : إن كل مولود مصيره للموت وهذا العالم قد شاخ وهو يمارس مراحل ومبررات النهاية وها هو قد جاء دوركم فلتستعدّوا للنهاية.

قال الحكيم : وكيف لي أن أبرئ نفسي من دم النساء والشيوخ والأطفال؟

قال المولى : واجبك العمل وحقك الوحيد أن تعمل أمّا ثمار عملك فليست من شأنك. اتجه في عملك لي متبرئاً من الألم واللذة, اعتمد الواجب دوماً تبرأ من الإثم.

ثم أضاف المولى قائلاً : إن إسار السبب والنتيجة هو الذي سيقود كل فردٍ من أفراد البشريّة, فمن كانت كارماه موجبة فالفضيلة وحدها القادرة على حمايته ومن كانت كارماه سالبة فقانون العدل هو الذي سيقتص منه. لقد طلبت الأرواح السفلية ذات يوم أن تتساوى مع الأرواح العلوية وطلبت أحكم العالم أسوة بالأرواح الفاضلة.

لقد منحناها فرصة حكم العالم لكن لفترة محدودة ومعلومة فانظر ماذا فعلت بالأرض وبالناس وبنفسها . لقد فعلت النفوس ما فعلت وحق قصاصها!.

هزّ زلزالٌ عنيفٌ الأرض. فتح الحكيم عينيه فوجد النيران تبتلع مملكة الشيطان الأكبر!. وفتح البحر شدقيه وراح يبتلع من المملكة جزءاً بعد آخر.

لم يجد الشيطان الأكبر مفراً من أن يستنجد بممالك الشر الصغيرة فهرعت إليه على وجه السرعة لا لمساعدته بل لتجتث قلبه ولتجهز على ما تبقى له.

هلك الشيطان الأكبر ونظرت الممالك الشيطانية في وجوه بعضها البعض وهالها رؤية صورة الشيطان في كل وجه من وجوهها. هنا أرسلت حرابها إلى قلوب بعضها البعض فنشبت آلاف المعارك واحترقت مئات الأمم وانتشر الموت والجوع في كل جانب وأظلمت السماء فويل للمرضعات والحوامل. وبدت الأرض جحيماً يسأل عن حطب كلما هجعت نيرانه.

انتشر الشياطين في كل مكان فكان في اليوم الذي يأتي شيطان فيه بنصر دامٍ يأتي الغد بشيطانٍ آخر ينتزع ملكه ويحيله إلى رماد. لقد بكت كل ذره من ذرات تراب الأرض. وتمزق قلب كل صخرة من هول ما رأت من فضائع ووحشية. وبدا العالم غارقاً في ظلامٍ ليس له نهاية.

 وفي السماء لمع نجم عظيم وجاء ملاك على غيمه وتردّد صوت في السماء: سنملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

 

 البقية في الجزء القادم

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email : barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل