آلهة الأولمب 

في القرن الحادي و العشرين

جزء 4

 

صدام الحضارات

قال زيوس: لقد وعى الإنسان خطورة الانزلاق في فخ صراع الحضارات، لهذا يدعو الآن إلى الحوار. فهل سيتمكن من النجاح وتجنيب الأرض كارثة الدمار؟.  

قالت أثنا هذا يعتمد يا مولاي على نوعية المحاور وأهدافه وصلاحياته. لكن من المؤسف أن معظم المحاورين ما هم إلا من منتفعي السلطة السياسية والطائفية والقبلية، ومن المؤسف أيضاً أن أهدافهم لا تتعدى حدود المحافظة على مصالحهم.

ثم تساءلت أثينا: متى كان القادة في العالم قادرين على تغيير أو تعديل الرؤى القومية للبشر؟.

إن البشر متعصبين بالغريزة لقومياتهم. والسلطة تدرك أن أي تلاعب في الرؤى القومية سيهدم عروشهم. لذا تتلاعب القادة في المشاعر القومية لتأمن استمرارية عروشها، وخنق البدائل القيادية، وبالتالي تغرق القوميات في دياجير التعنت والتعصب.

وأردفت أثنا قائلة: ومتى كان للسلطات الدينية الصلاحيات في تغيير الأسفار الدينية؟!.  

قال أبولون إله النور: لقد دقت الطائفية المسامير في نعشها، عندما اعتبرت أن كل طائفة هي الوجه الوحيد للحقيقة، واعتبرت أن كل ما عداها هو رجسٌ من عمل الشيطان من الواجب سحقه ودماره.

وبكل حماقة حصّنت كل طائفة نفسها، عندما اعتبرت أن أسفارها هي الأسفار الصحيحة والوحيدة المنزلة من الإله، وحللت سفك دم كل من يشكك بأي حرف منها، أو يفكر بالشطب أو التعديل.

وهكذا تكاثرت الطوائف تكاثراً سرطانياً. وتناقضت مصالحها وتوجهاتها. وبالرغم من الحروب التي افتعلتها عبر التاريخ إلا أنها وصلت اليوم إلى قناعة مفادها أن كل طائفة بمفردها عاجزة عن ابتلاع العالم. لذا فإنها مجبرة اليوم على إخفاء بغضها وحقدها على الآخرين.

واليوم تشعر كل طائفة في عصر العولمة بتهديد وجودها، لهذا تلجأ الطوائف اليوم إلى المداهنة وإطلاق شعار حوار الحضارات، متـزيية بثوب المحبة والإخاء ورغبة التوجه لعبادة إله واحد. لكن لو طلبت منها أن تشطب أو تعدل الجمل والمفردات التي في أسفارها التي تكفـّر وتهدر دم الآخرين، فإنك ستفقدها صوابها!. لماذا؟. لأنها تعتبر نصوصها إلهية، وتستبيح دم كل من يشطب أو يعدل حرفاً!.

ثم أردف إله النور قائلاً: إن حوار الحضارات في هذا المستوى ما هو إلا حوار طرشان، لا يعفي البشرية آجلاً أم عاجلاً من سقوطها المزري في أحضان الغش والمداهنة وافتعال الحروب.

قال هرمس: من يقرأ تاريخ البشرية سيجده قائماً على المذابح والصراعات الدامية بين القوميات والعرقيات المتعددة. وسيبدو له التاريخ بحيرة أسماك، القوي فيها يأكل الضعيف.

ثم تسأل هرمس: من يطرح مبدأ حوار الحضارات هل يمكنه التضحية بمصالحه القومية من أجل تحقيق العدالة الإنسانية؟.

وتساءل أيضاً: هل توجد قوّة في العالم قادرة على تحقيق العدالة بين الشعوب بعيداً عن تحقيق مصالحها؟.

إن مبدأ القوة واحتواء الآخر هو المبدأ الوحيد السائد في العالم. لكن عندما تتشكل قوّة عظمى وتتمكن من بسط سيادتها على العالم، ينشأ صراعاً بديهياً بينها وبين العالم. لأن مصالحها قد تحققت على حساب مصالح باقي شعوب الأرض. ومع هذا الصراع يلتهب شعور الحقد الذي يغذي نزعة العنف. لهذا تدعو القوّة العظمى إلى حوار الحضارات، بهدف خنق الشعور الناجم عن ظلمها واستبدادها، ويمكنـّها من بسط نفوذها، وخنق كل تكتل يدعو إلى الحرية والمساواة.

وأكد هرمس قائلاً: إن حوار الحضارات في هذا المستوى هو حوار طرشان أيضاً.

قال هاديس: عندما تشعر القوّة المستضعفة بهزيمتها فإنها تجد أمامها طريقان، إما العنف عبر حرب العصابات وضرب أمن ومصالح القوة العظمى، أو تتأمل هزيمتها وتتأكد من أن سببها هو الإهتراء الداخلي لمجتمعها. فزبانية السلطة والكهنوت هم المنتفعين من تلك الهزيمة، وإن مصالحهم تتعزز كلما زاد الجهل والتخلف في المجتمع.

في هذه الحالة يتعزز شعور انعدام ثقة الفرد في مجتمعه ويرى أنه بحاجة إلى قوة استعمارية خارجية لتحكمه، ولتطوّر به جميع مناحي الحياة، كي يصبح في المستقبل قادراً على حكم نفسه وتحمّل المسؤوليات.

وليس من المستغرب أن معظم شعوب العالم الثالث قد أصبح أكثر سوءً بعدما تحرر من الاستعمار، وبالتالي سيطالب الناس يوماً بعد يوم بعودة الانتداب على الدول المتخلفة. وهنا ستندحر حضارات إنسانية عديدة ذات جذور عريقة وتنتعش حضارة المفترس القائمة على الغطرسة والتسلط والفساد.

قال آريس إله الحرب: يتهمني الإنسان الأحمق بأنني سبب دمار وهلاك البشرية. متى سيتبين لذاك الأخرق بأنني لست سوى ناموس كوني، معني بتصريف الطاقة السالبة التي يولدها الإنسان عبر أحقاده وجنونه وشروره وأنانيته.

ثم أردف إله الحرب قائلاً: إن الإنسان الفاضل ينجب مجتمعاً فاضلاً، ينتج بدوره كارما موجبة من محبة وفضيلة. أما المجتمع السافل فينجب كارما سالبة من حقد وجنون وشرور. ونحن نواميس الكون معنيون برد أفعال الإنسان سالبة كانت أم موجبة.

وأضاف إله الحرب: أنا كإله حرب معني بتصريف الطاقة السالبة عبر قتل وإفناء القوى المتناحرة، حفاظاً على توازن قوى الحياة، وإلا اخترقت هذه القوى السالبة باب الترتار ووصلت إلى التنين تيفون ذو الرؤوس المئة، ودبت الطاقة في أسد نيميا وأفعوان ليرنا والكلب الجهنمي كيربيروس، عندها سيزلزلوا الأرض ويقلبوا عاليها بسافلها، وتختفي الحياة وتطوى الأرض!. 

وقف برومثيوس واضعاً يده على صدره, متحسساً مكان غرس الحربة التي أمر زيوس بغرسها وقال: الإنسان الأحمق في الدول الفقيرة يتحجج دائماً بالاستعمار. والإنسان الفاجر في الدول الغنية يتحجج أيضاً بالعنف والأصولية. وأنتم معشر الآلهة تسلكون مسلك البشر المتوحشة وتتحججون بالتنين تيفون.

وسأل برومثيوس الآلهة قائلاً: من كان سبب ولادة تيفون ذو الرؤوس المئة؟. اسألوا أمكم هيا آلهة الأرض ما الذي أجبرها على الاتحاد بالترتار المظلم كي تنجب ذاك الوحش الكوني الرهيب؟.

راجعوا تاريخ الآلهة... ادرسوه جيداً... أميطوا اللثام عن خفاياه... لا تكونوا كالإنسان المتوحش الذي ينسج خرافة عظمته عن طريق طمس وتشويه معالم التاريخ الحقيقي.

ثم قال برومثيوس: اعلموا أن سبب ولادة الوحش الكوني تيفون هو زيوس سيد العوالم أجمعين.

واقترب من زيوس وقال: لقد كان لقسوتك وبطشك وجبروتك لامتلاك السلطة، السبب المباشر الذي أثار النقمة في قلب آلهة الأرض فاتحدت بالترتار المظلم لتجلب إلى العالم ذاك الوحش الكوني الرهيب.

وخاطب برومثيوس الآلهة قائلاً: أجل له مئة رأس من الحقد والعنف والغضب والوحشية والأنانية والغطرسة والتعصب.وقامت حرب مدمرة بين وحشية زيوس ووحشية تيفون وكادت الهزيمة أن تقوض عرش زيوس لولا استنجاده بالهيكاتونخير ذو المئة يد من الأعمال الصالحة. وهكذا استطاعت الأعمال الصالحة أن تكبل ذاك الوحش وتعيده إلى الترتار وأن تسجنه هناك. لكنه لا زال حياً ولازال يهدد الأرض بالبراكين والكوارث والزلازل. خاصة وأن طاقته قد انسلت واتحدت بالمرأة إيخندا التي نصفها أفعى أي الطاقة السالبة، فأولدها الأفعوان ليرنا ذو الأمراض الفتاكة، وأسد نيميا ذو طاقة الغضب والوحشية والهمجية.

وهكذا تهددت حياة البشر وتزعزع عرش الآلهة، في وقت كان زيوس منشغلاً باللهو مع زوجاته، ولأنه كما يقول وقع ضحية خداع آتا آلهة الخداع.

ولم تستطع قوة زيوس مع الآلهة مجتمعة الذود عن كرامة الأولمب، فانبرى هرقل ذاك الإنسان البطل المكافح ليكفـّر عما جنت أيدي الآلهة. فبئس هذه الآلهة وبئس هذا الكون.

قال برومثيوس ما قاله وهو عالم أن زيوس يستطيع دماره بضربة صاعقة واحدة. إلا أن برومثيوس أصبح له خيار الموت أفضل من خيار الحياة. وكان يعلم أيضاًَ أن زيوس لن يمنحه خيار الموت، بل يستطيع أن يعيده إلى أقصى أقاصي العالم ويغلـّه هناك، كما غلـّه في السابق. لهذا وجه برومثيوس خطابه إلى زيوس قائلاً: إن مشهد هذه الحياة البائسة، وآلامي، قبل أن يحررني هرقل، واحدة. لهذا أرجو منك قبل أن تتخذ قرارك الوحشي بحقي والذي فقد كل الأثر في نفسي، أن تتأمل نفسك وتدرس ذاتك جيداً.

وتابع قائلاً: إن أفعال البشر الهمجية تغذي الطاقات السالبة الكونية. وإن الوحش تيفون يترع كؤوس الطاقة السالبة بكميات لا حصر لها. وإن أيدي الهيكاتوناخير المئة من الأعمال الموجبة تغلّ يوماً بعد يوم. وإن الهراقلة قد غادرت الأرض، وُصفـّدت الأعمال الفاضلة، وامتلأت الأرض جوراً وظلمة.

وخاطب برومثيوس زيوس بصوت واعظ: ألا تعلم يا سيدي أن الوحش تيفون يستطيع استخدام أحد مخالب أسد نيميا المتغطرس ويضغط أزرار الأسلحة النووية لتدمر ألف كرة أرضية!. ألا تعلم أنه يستطيع استخدام سم أفعوان ليرنا لينشر في الأرض آلاف الأمراض الفتاكة عبر القنابل الجرثومية والكيميائية!. ألا تعلم أن تيفون يستطيع عبر دمار البيئة والتغيّر المناخي أن يزلزل الأرض ويغمس جميع القارات بالماغما!. ألا تعلم أن طاقة النفوس والأعمال السالبة تستطيع أن تجذب المذنبات الشاردة في السماء لتدمر الأرض!!.

                                       

     النهاية

صمت برومثيوس ثم قال: لقد جف فمي من كثرة الكلام، وجفت دموعي من حسرتي ولوعتي على الإنسان، واحترق قلبي من شدة الحزن والألم. ولازالت الآلهة تتسلى وتعبث بالأقدار، ولازال الإنسان غراً أحمقاً يسير كل يوم إلى الهاوية بكل طيش ورعونة.

ثم تسائل برومثيوس: من سيخبر الإنسان قصة دموعي وأحزاني التي رافقته منذ نشأته؟.

من سيخبره بأني أنا من ُصلب مع المسيح، وبأني أنا من ُبترت أوصاله مع الحلاج، وبأني أنا من ُقتل مع سقراط وغاندي، وبأني أنا من طُرد وُشرّد مع فيثاغورس وحكماء الأرض عبر التاريخ، وبأني أنا من كُفـّر وزنّدق وهدر دمه مع شموس الحقيقة.

بكى برومثيوس وانتحب ثم قال: من سيخبر الإنسان عن مرارة هزيمتي به. لقد صلبت كياني وأحرقت روحي كي أحرره، لكنه بقي أحمقاً أخرقاً يتلذذ على امتصاص دمه، ويسبح في بحر قيئه ونتنه.

ثم توجه برومثيوس بالسؤال للآلهة: متى سيستيقظ الإنسان لتقف رحى الموت والعذاب الرهيبة؟. متى سيستيقظ الإنسان ليسبل على أحد أطوار الحياة، ثوب القداسة في يقظة الوعي برحم الكلية؟. متى سيستيقظ الإنسان، لتنار باستيقاظه حقائق الوجود، ولتتكشف باستيقاظه شموس الحقيقة التي رافقته بآلامها عبر تقلباته بالآفاق؟.

متى ستشرق أنوار شموس الحقيقة وتختفي كل هذه المظاهر المرعبة؟!.

 

 

.

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email :barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل