أمل قرضاب وأطفال صوفيا

يبدو أن مصير أبناء صوفيا موضوع بيد قدر اعمى, تحركه قوة طاغية حمقاء استهلكتها المادة والسعي وراء المراكز والمحسوبيات, ففي كل يوم تصدر فرمانات جديدة جائرة لتحل على رؤس الأطفال كزلزال يسحق كيانها، ومن السخرية أنهم يستخدمون مناصبهم لمحاربة الأطفال بعد أن خيل لهم و كأنهم قد أصبحوا جيوشاً جاءت لتزلزل ممالكهم.

 وأول حرب أعلنت ضدهم كانت هي بوقف ريع عروض المسرحيات التي كانت تقدم للجمعيات الخيرية, الأمر الذي أفقدهم سعادتهم, خاصة وأنهم كانوا يعلمون أن كل ليرة تأتي من تعبهم ستتحول إلى دواء يشفي عاجز, أو عصا ترشد اعمى, أو كرسيا تنقل مشلول. والطعنة الدامية الثانية كانت حين شردوهم في شوارع المدينة, في البرد القارص!! وانتزعوا منهم المسرح بكل شراسة وقسوة, وكأنهم ليسوا من أبناء هذه الأمة, بل ربما خيل لهم أنهم يتبعون لأمة المغول أو التتر!!! والمرة الأخيرة وهي الأسوأ حين طردهم من المسرح بحجة أنهم يوسخون ارضه, علما بأن الأطفال لا يغادرون المسرح إلا بعد تنظيفه تطبيقاً لدرس عملي في حماية البيئة, كونهم رواد جمعية التنوع الحيوي.

 وتتزاحم الأسئلة في كل مرة يعيش أطفالنا هذه الأحباطات والانكسارات.

 من يا تري ذاك الخفي الذي تخيفه بسمة الطفل؟؟ ومما يريدون تنظيف المسرح ياترى؟ أم من الطهارة والبراءة ؟ أم من صرخة تتعالى في وجه القهر والإذلال الذي يعاني منه إنسان العصر القابع في كل مكان من العالم؟  لماذا يوصدون الأبواب أمام الإبداع الفني الراقي والطروحات الواقعية؟؟ لمن يريدون البقاء؟؟ لكلمات تموت قبل أن تصل مسامع الناس؟!! لمشاهدات ملها المسرح وابتذلتها السطور؟؟ لكراسي المسرح وجدرانه التي لو استطاعت لبكت وشكت من الفراغ الذي يملئها بسبب تردي الساحة الفكرية والثقافية.

 ثم انكشف الأمر جليا حين نوقش الأمر مع احد المسؤولين وهو ولاشك من رواد الفلسفة العصرية حول اثر القرارات على نفسية الأطفال وكيف يتعرضون للخطر حين يغادرون المسرح قبل موعدهم المحدد, وما يقدمه لهم العمل المسرحي من ارتقاء فكري وفني وإنساني ويعرفهم بأهمية المراكز الثقافية, ويوجههم ليكونوا من رواده في المستقبل, فيعيدون للثقافة والمسرح مكانتهما التي ساهمت في صنع تاريخ الحضارات التي تشهد عليها أثار بلادنا وحجارتها. هذا ما قاله مدير فرقة صوفيا الذي يظن نفسه يتحدث مع مسؤول معني بالتربية.

 فما كان من فيلسوفنا إلا أن أجابه ساخرا مما يطرحه من مفاهيم تناقض حداثتهم:  عن أية طفولة تتحدث يا رجل؟!! أنسيت انك في القرن الحادي  والعشرين !!

 ذهل مدير الفرقة وغادر بعد أن أصابه الذهول, وأخذت تتزاحم في مخيلته صورأطفال هذا القرن... أطفال عراة تفترسهم وحشية الشذوذ, وترميهم أمواتا.....وربما ينجون بأعجوبة فيتحولون إلى وحوش بشرية!!! أشلاء صغار تُعرض أعضاؤها في مزاد علني على طاولات تجار الدماء، أجساد محترقة تحت ركام  المنازل المتهدمة على رؤوس أصحابها صغاراً وكباراً دون تمييز بين رضيع أو عاجز... أطفال مشردون متسولون يسرقون فاكهة قبل أن يأووا إلى النوم في الأبنية المهجورة, فيطلب البائع الشرطة لتمسك بهم وتشبعهم ضرباً, ثم تنقلهم إلى سجن  الأحداث ليتلقوا هناك مزيدا من فنون السرقة والنهب ليعودوا إلى الشوارع كمحترفي اجرام.!!

ونتساءل بلوعة ؟ أهذا هو التاريخ الذي تريدوننا أن نشارككم بتسطيره؟ أهذه هي فلسفة القرن الحادي والعشرين؟ مجازر.... طغيان.... تلوث.... عولمة تسرق العقول والقيم... لهاث وراء الكراسي وانتصارات عائمة فوق الجثث!!.

لا وألف لا ، لا يمكن لإنسان يحترم إنسانيته أن يصم أذانه عن أنين أعماق البحار الملوثة بالنفايات، عن أشجان المشردين والمتسولين، عن تأوهات أمهات تنمن واطفالهن في أزقة الشوارع، عن صرخات المقهورين والمظلومين في كل أصقاع الأرض.

لا... وألفُ لا... لن نكتب إلا لكلمة تحيا وتنبت نورا ...... لن نصلي إلا لإله واحد, إله السلام ...... لن نخطوا إلا نحو فضاءات الإنسانية الرحبة... المنيعة عن الإندثار تحت العباءات ...... لن نركع إلا لبسمة طفل ......  فنحن لانقرأ الزمان أرقاما وقرونا, لأننا مسكونون بسحر الشرق الأصيل مسكونون برؤى القديسين...... مسكونون بفلسفة صوفيا  فجر الإنسان.

 

.

الحقوق محفوظة   شمس الحقيقة    غسان بركات   296156  16  00963 

 للاتصال  Email : barakat@sunoftruth.com  

الصفحة الرئيسية     الدليل