وئام مسعود وأطفال صوفيا
ملائكة المدارس .... تكتب بالأخضر ...
? رسم " دافنشي " رائعته " الموناليزا " بالألوان ....
كما رسم " القباني " .. أشعاره .... بالكلمات ...
أما أطفال " صوفيا " فقد رسموا .... بالتراب ...
اليوم و في حملة التشجير التي رعتها " صوفيا " في كل حفنة تراب حضنها الأطفال و دثروا بها جذور الغراس كانوا يرسمون لوحات تشكيلية رافضين استخدام أي أداة ٍ سوى أناملهم الصغيرة التي اتحدت مع
تراب أرضهم حبا ً و عنفوانا ً ... غير آبهة ٍ أن تدميها الأشواك أو تخدشها الحصى و كأن الأرض تخبرهم أسرارها و تمدهم بإرادة الصوان ...
لوحات أجلّ من أن تؤطرها آلات التصوير أو تحتويها الأشرطة و السيديهات ..
لوحات أدق من أن ترسم معالمها ريشة الفنانين .
و أرق من أن تصفها أقلام الشعراء و الأدباء ...
... لوحات افترشت سمرة الأرض ، وتلحفت زرقة السماء ، وتوشحت ببياض القلوب .
طيف من أطياف الجنان ... و ألق من ألق الملائكة .
ملائكة تزرع في الأرض .. أرض الإنسان .... إنسان الحكمة الذي لا يموت بل يولد مع ولادة كل غرسة
و يتشبث بالحكمة كما تشبثت جذور الغراس في التراب . الذي سيمدها بالماء و الغذاء و يمنحها الحياة ...
مثلما تمنح الحكمة الإنسانية للإنسان ....
" ملائكة المدارس " اعتادوا منذ نعومة أظفارهم أن يكتبوا بالأزرق .... و اليوم غيروا لون محابرهم و كتبوا بالأخضر ....
بكل حب و ترحاب ... كالفراش المستطير ... هنا و هناك استقبلتهم الأرض و قبّلت الشمس جباههم الطرية ....
حملوا الغراس بفرح ٍ و حرص كما يحرصون على أغلى لعبة لديهم ... أهدوا الغراس للأرض ... أودعوها الأمانة ... و أوصوها أن تحمي و تحفظ تلك الغراس التي أحاطوها هم بكل رعاية واهتمام و تمنوا لو يظلوا بجانبها و لا يغادروا المكان ....
أحسّوا أن هذه الغراس أصبحت جزءا ً منهم أعطوها شيئا ً من تعبهم و جهدهم و أثقلوها بمحبتهم ....
البعض راح يقيم سورا ً من الحجارة الصغيرة حول غرسته ...و الآخر يجمع أعشابا ً صغيرة يهندس بها سورا ً .... والذي فعلوه بعد ذلك ... كان بمثابة اللمسة السحرية الأخيرة التي يضعها الفنان على لوحته ...
لمستهم السحرية تلك عندما أخرجوا ..." حافظات ماء الشرب " من حقائبهم و سقوا بها الغراس .
ولم ينتظروا وصول " خرطوم الماء " ليسقي غراسهم .
و ليس مصادفة ... أن يتزامن ما فعلوه مع انطلاق أغنية " إنسان الحكمة ما بموت " من مكبر الصوت و أخذوا بعفوية و تلقائية يرددون مع الأثير نغمات تلك الأغنية .
وأي حكمة أعمق من الإيثار و نسيان الأنا ...
منحوا الماء الذي معهم إلى الغراس الصغيرة لتحيا و تعيش ...ليس غريبا ً على هؤلاء الصغار حكمتهم
و هم ينهلون من " صوفيا " أبجدية الحكمة و سلاف الحياة ...
الحياة أن نعطي و نعطي حتى يفيض العطاء فيغمرنا خيرا ً و حياة ...
علمتنا " صوفيا " أن ّ الحكمة ليست بعيدة عن الحياة في زمننا هذا مهما اختلطت فيه الأشياء ... و مهما
تشوهت ...
تبقى الحكمة شفافة ، مرئية كنأمة النسيم ...
أو ليس من الحكمة البعيدة ما قامت به تلك الأم ؟؟
و هي التي ستسافر بعد حين إلى بلاد أجنبية ... وقد أحضرت أولادها إلى الأرض ليزرعوا أشجارا ً في بلادهم العربية قائلة : مهما طال غيابنا أو مهما ابتعدنا يبقى لنا ظل في بلادنا ينتظرنا .... نتفيئ به كلما
أتينا ... وكلما لوعنا الشوق لبلادنا قلنا : (( لقد زرعنا أشجارا ً في سورية ))
وبهذه الكلمات العذبة استطاعت هذه الأم أن تختصر دواوين الشعر كلها منذ الجاهلية ....
حتى يومنا الأخضر هذا .....
.![]()
الحقوق محفوظة شمس الحقيقة غسان بركات 296156 16 00963
للاتصال Email : barakat@sunoftruth.com